حسن ابراهيم حسن
84
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
استعداده للجهر بالإسلام بمثل هذه الطريقة في اليوم التالي . ولكن أصحابه أقنعوه بالعدول عن ذلك قائلين : حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون « 1 » . ولم تفعل قريش بالرسول أول الأمر ما فعلت بالمستضعفين الذين اتبعوه . لمكانة عمه أبى طالب وشرفه وجاهه فيهم . وقد عطف أبو طالب على الرسول ومنعه وحماه ، فمضى رسول اللّه على أمر اللّه ، مظهرا لدينه ، لا يرده عن ذلك شئ . فلما رأت قريش منه الجد في الدعوة ، وسكوت أبى طالب عنه وعدم نهيه عن ذلك الذي يقول عن آلهتهم وآبائهم ونظمهم ، خشيت أن يتفاقم شره ويعظم أمره ، فمشى رجال من أشرافها إلى أبى طالب فقالوا : يا أبا طالب ! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا . فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلى بيننا وبينه ، فإنك على ما نحن عليه من خلافة ، فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ، ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما هو عليه ، يظهر دين اللّه ويدعو إليه . ثم اشتد الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال ، ودبت العداوة والبغضاء بين أفراد الأسرة الواحدة ، فمشوا إلى أبى طالب مرة أخرى . فقالوا له : يا أبا طالب ! إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استهيناك من ابن أخيك فلم ينته عنا ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا ، من شيم آبائنا وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو تنازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين . ثم انصرفت قريش عن أبي طالب ، فعظم عليه تحدى قومه له وفراقهم إياه وعدوانهم له : ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللّه ولا خذلانه ، وبعث إلى الرسول فقال له يا ابن أخي ! إن قومك قد جاءونى فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق ؟ ؟ ؟ على وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . فظن رسول اللّه أن عمه يريد أن يخذله ؛ وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال : يا عم ! واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته ، ثم استعبر فبكى ، ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل
--> ( 1 ) أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ، ترجمة ص 37 .